عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

272

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 ) * ( عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ ) * يعلوهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ ، ونصبه على الحال من هم في عليهم أو * ( حَسِبْتَهُمْ ) * ، أو * ( مُلْكاً ) * على تقدير مضاف أي وأهل ملك كبير عاليهم ، وقرأ نافع * ( عالِيَهُمْ ) * وحمزة بالرفع على أنه خبر * ( ثِيابُ ) * . وقرأ ابن كثير وأبو بكر * ( خُضْرٌ ) * بالجر حملا على * ( سُندُسٍ ) * بالمعنى فإنه اسم جنس ، * ( وإِسْتَبْرَقٌ ) * بالرفع عطفا على * ( ثِيابُ ) * ، وقرأهما حفص وحمزة والكسائي بالرفع ، وقرئ * ( وإِسْتَبْرَقٌ ) * بوصل الهمزة والفتح على أنه استفعل من البريق جعل علما لهذا النوع من الثياب . * ( وحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ) * عطف على * ( ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) * ولا يخالفه قوله * ( أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) * لإمكان الجمع والمعاقبة والتبعيض ، فإن حلي أهل الجنة تختلف باختلاف أعمالهم ، فلعله تعالى يفيض عليهم جزاء لما عملوه بأيديهم حليا وأنوارا تتفاوت تفاوت الذهب والفضة ، أو حال من الضمير في * ( عالِيَهُمْ ) * بإضمار قد ، وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم وذلك للمخدومين . * ( وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * يريد به نوعا آخر يفوق على النوعين المتقدمين ولذلك أسند سقيه إلى اللَّه عز وجل ، ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية والركون إلى ما سوى الحق ، فيتجرد لمطالعة جماله ملتذا بلقائه باقيا ببقائه ، وهي منتهى درجات الصديقين ولذلك ختم بها ثواب الأبرار . * ( إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً ) * على إضمار القول والإشارة إلى ما عد من ثوابهم . * ( وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) * مجازى عليه غير مضيع . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ) * مفرقا منجما لحكمة اقتضته ، وتكرير الضمير مع أن مزيد لاختصاص التنزيل به . * ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) * بتأخير نصرك على كفار مكة وغيرهم . * ( ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) * أي كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه ومن الغالي في الكفر الداعي لك إليه ، وأو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه ، فإن ترتب النهي على الوصفين مشعر بأنه لهما وذلك يستدعي أن تكون المطاوعة في الإثم والكفر . فإن مطاوعتهما فيما ليس بإثم ولا كفر غير محظور . واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأَصِيلاً ( 25 ) ومِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَه وسَبِّحْه لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) * ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأَصِيلاً ) * وداوم على ذكره أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما . * ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَه ) * وبعض الليل فصل له تعالى ، ولعل المراد به صلاة المغرب والعشاء وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص . * ( وسَبِّحْه لَيْلاً طَوِيلاً ) * وتهجد له طائفة طويلة من الليل . إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ويَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 )